لم تكن الصحافة الكردية مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل شكّلت عبر تاريخها الطويل مساحة للمقاومة الثقافية، ومنبراً للحفاظ على الهوية، وجسراً بين الذاكرة والواقع.
وفي قلب هذا المسار وقفت المرأة الكردية، أحياناً في الظل وأحياناً في الواجهة، لتنسج حضورها بصبر وإصرار، رغم القيود الاجتماعية والسياسية التي حاولت الحدّ من صوتها.
في بدايات الصحافة الكردية، التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر مع صدور صحيفة كردستان، كان حضور المرأة شبه غائب من حيث المشاركة المباشرة ، إلا أن هذا الغياب لم يكن انعكاساً لعدم القدرة، بل نتيجة ظروف تاريخية معقدة فرضت على المرأة أدواراً محددة داخل المجتمع, ومع ذلك، كانت المرأة حاضرة كرمز، كصورة تختزل معاناة الشعب الكردي وتطلعاته.
لكن التحول الحقيقي بدأ مع بروز أسماء نسائية كسرت حاجز الصمت، مثل الشاعرة والكاتبة مستورة أردلان، التي وإن لم تكن صحفية بالمعنى الحديث، إلا أنها أسهمت في ترسيخ حضور المرأة في المجال الثقافي، وفتحت الباب أمام أجيال لاحقة لدخول عالم الكتابة حيث شكّلت كتاباتها شاهداً مبكراً على قدرة المرأة الكردية على التعبير والتأثير.
ومع تطور الوعي القومي، ظهرت شخصيات أكثر ارتباطاً بالصحافة بشكل مباشر، مثل مريم خان، التي ساهمت في نشر الفكر التنويري، وكانت من أوائل النساء اللواتي خضن غمار الكتابة العامة، متحديات القيود الاجتماعية هذه النماذج لم تكن مجرد حالات فردية، بل كانت مؤشرات على تحوّل عميق في بنية المجتمع الكردي.
في النصف الثاني من القرن العشرين، ومع تصاعد الحركات السياسية، برزت أسماء نسائية لعبت دوراً محورياً في الإعلام، من بينهن ليلى زانا، التي وإن عُرفت كسياسية، إلا أن خطابها الإعلامي وحضورها في الصحافة العالمية شكّلا نموذجاً لصوت المرأة الكردية الجريء.
لقد استخدمت الكلمة كأداة مقاومة، وأسهمت في نقل القضية الكردية إلى المنابر الدولية.
كما لا يمكن إغفال دور شخصيات إعلامية معاصرة مثل نوجيان أرهان، التي عملت في ظروف صعبة، وقدّمت نموذجاً للصحفية الميدانية التي تنقل الحقيقة من قلب الحدث، لقد جسّدت تجربتها تداخل الصحافة مع النضال، حيث تصبح الكلمة امتداداً للموقف.
ومع دخول القرن الحادي والعشرين، توسّع حضور المرأة الكردية في الإعلام بشكل لافت، خاصة مع ظهور منصات جديدة، حيث برزت العديد من الصحفيات الشابات اللواتي قدّمن خطاباً إعلامياً حديثاً، يجمع بين المهنية والوعي الاجتماعي، ويطرح قضايا المرأة ضمن سياق أوسع من العدالة والمساواة.
لقد أسهمت هؤلاء النساء في تغيير صورة المرأة في الصحافة الكردية، فلم تعد مجرد موضوع، بل أصبحت صانعة للخبر، ومحللة، وصوتاً مستقلاً وبدل أن تُحصر في القضايا الاجتماعية، اقتحمت مجالات السياسة والاقتصاد، وقدّمت رؤى نقدية تعكس نضجاً فكرياً وإعلامياً.
ومن الشواهد المهمة أيضاً، تزايد عدد المؤسسات الإعلامية التي تقودها نساء، وظهور مبادرات تدريبية تستهدف تمكين الصحفيات، ما يعكس تحولاً بنيوياً في بنية الإعلام الكردي.
كما أن حضور المرأة في التغطيات الميدانية، خاصة في مناطق النزاع، يعكس شجاعة استثنائية وإيماناً عميقاً برسالة الصحافة.
ورغم كل هذا التقدم، لا تزال التحديات قائمة فالصحفيات الكرديات يواجهن مخاطر متعددة، من التضييق السياسي إلى التهديدات الأمنية ومع ذلك، فإن قصصهن، مثل قصة نوجيان وغيرها، تشكّل دليلاً على أن الصوت النسوي لم يعد قابلاً للإقصاء.
في الختام، يمكن القول إن المرأة الكردية لم تكن مجرد شاهدة على تطور الصحافة، بل كانت شريكة حقيقية في صناعتها، من مستورة أردلان التي أرست البدايات الثقافية، إلى الصحفيات المعاصرات اللواتي يواكبن الحدث، تتشكل قصة متكاملة من النضال والإبداع.
إن هذا الحضور النسوي لا يضيف فقط بعداً عددياً، بل يثري الصحافة الكردية برؤية إنسانية عميقة، تجعلها أكثر قرباً من الناس، وأكثر قدرة على التعبير عن الحقيقة.
فحين تكتب المرأة الكردية، فهي لا تنقل الخبر فقط، بل تعيد صياغة الحكاية من منظور الحياة نفسها.
الصحفية خديجة إبراهيم
التعليقات مغلقة.