قد تبدو كلمتا الإعلام والصحافة متشابهتين إلى حدّ يجعل استخدام إحداهما مكان الأخرى أمراً مألوفاً، فنحن نقول إعلامي وصحفي، ومؤسسة إعلامية ومؤسسة صحفية، وعمل إعلامي وعمل صحفي، حتى بات من السهل أحياناً النظر إليهما باعتبارهما مفهوماً واحداً، لكن التشابه في الاستخدام لا يعني التطابق في المعنى والدور.
فالإعلام والصحافة يرتبطان بعلاقة وثيقة، ويتقاطعان في كثير من المساحات، إلا أن لكل منهما مجاله ووظيفته وأدواته، ويمكن القول إن الإعلام هو الإطار الأوسع، بينما الصحافة واحدة من أهم الممارسات المهنية التي تعمل داخله.
الإعلام في معناه الواسع هو عملية إيصال المعلومات والأفكار والآراء إلى الجمهور عبر وسائل متعددة، سواء كانت مكتوبة أو مسموعة أو مرئية أو رقمية ويدخل ضمنه التلفزيون والإذاعة والصحف والمواقع الإلكترونية والبرامج الحوارية والوثائقيات والمحتوى الثقافي والتوعوي والترفيهي وغيرها من أشكال الاتصال الجماهيري.
أما الصحافة، فتقوم بصورة أكثر تخصصاً على البحث عن المعلومات والأخبار، وجمعها والتحقق منها ومعالجتها وتقديمها للجمهور ضمن قواعد مهنية وأخلاقية ولهذا فإن الصحافة ليست مجرد وسيلة لنقل ما يحدث، بل هي ممارسة تقوم على البحث والتدقيق والسؤال والتحقق ووضع الأحداث في سياقها.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين المصطلحين بصورة أوضح، فالإعلام أوسع من الصحافة، والصحافة جزء أساسي من المنظومة الإعلامية، لكن ليس كل عمل إعلامي صحافة، وليس كل من يعمل في الإعلام صحفياً بالضرورة.
فالصحفي قد يعمل في صحيفة ورقية، أو موقع إلكتروني، أو إذاعة، أو محطة تلفزيونية، أو منصة رقمية.
أما الإعلامي فقد يكون مذيعاً أو مقدّم برامج أو منتجاً أو مخرجاً أو مراسلاً أو معداً أو مصوراً، بحسب طبيعة عمله، وقد تتقاطع هذه الأدوار في بعض المؤسسات، لكن التقاطع لا يلغي الاختلاف في الوظيفة المهنية.
فالخبر الذي ينشر في صحيفة، والتقرير الذي يعرض على شاشة التلفزيون، والتحقيق الذي ينشر في موقع إلكتروني، والقصة الصحفية التي تقدم عبر منصة رقمية، كلها أشكال مختلفة للممارسة الصحفية.
الوسيلة تتغير، لكن جوهر العمل يبقى قائماً على البحث عن المعلومات، والتحقق منها، وفهم سياقها، ثم تقديمها بصورة واضحة ومسؤولة.
وهنا تكمن أهمية الصحافة المهنية، خصوصاً في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، وأصبح نشرها لا يحتاج أكثر من هاتف واتصال بالإنترنت، فسهولة النشر لا تعني بالضرورة صحة ما يُنشر، وكثرة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة المعرفة.
بل إن كثرة المعلومات قد تجعل مهمة الصحفي أكثر صعوبة، لأنه لم يعد مطالباً فقط بالوصول إلى المعلومة، وإنما أصبح مطالباً أيضاً بتمييز الصحيح من المضلل، والمصدر الموثوق من المصدر المجهول، والخبر من الشائعة.
لذلك إذ كانت الصحافة شديدة الارتباط بالخبر والمعلومة والتحقق، فإن الإعلام يمتلك مساحة أوسع في الوظيفة والمحتوى.
فالإعلام لا يقتصر على إخبار الناس بما حدث، وإنما يمكن أن يشرح لهم خلفيات الأحداث، ويفتح النقاش حول القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية، ويقدم البرامج التعليمية والترفيهية والتوعوية، ويناقش القضايا العامة من زوايا متعددة.
برنامج حواري يستضيف مجموعة من المختصين لمناقشة قضية اجتماعية هو عمل إعلامي، كما أن الفيلم الوثائقي الذي يتناول قضية تاريخية أو إنسانية هو عمل إعلامي، وكذلك البرنامج الثقافي أو التوعوي. وهذا لا يجعل الإعلام أقل ارتباطاً بالحقيقة، بل يوضح اتساع مجاله وتنوع وظائفه.
يستطيع الإعلام أيضاً أن يفتح مساحة للنقاش، بينما الصحافة تستطيع أن تقدم المادة التي يقوم عليها هذا النقاش، الإعلام يمنح المعلومة مساحة للوصول إلى الجمهور، والصحافة تعمل على البحث عنها والتحقق منها وصياغتها.
فالإعلام يستطيع أن يفتح مساحة للحديث عن العنف ضد النساء، أو التمييز، أو المشاركة السياسية، أو الحقوق القانونية، من خلال البرامج الحوارية والتوعوية والوثائقيات. لكن الصحافة تستطيع أن تذهب إلى التفاصيل تبحث في الإحصاءات، وتراجع القوانين، وتلتقي بالنساء، وتستمع إلى المختصين، وتتابع الحالات، وتقارن بين النصوص القانونية والتطبيق العملي، وتكشف الثغرات التي تحتاج إلى معالجة.
وهنا تتحول الصحافة إلى أداة للمساءلة، بينما يتحول الإعلام إلى مساحة للوصول والنقاش والتوعية.
وعندما تكون المرأة نفسها صحفية، فإن حضورها لا يعني فقط زيادة عدد النساء في المؤسسات الإعلامية، وإنما يمكن أن يضيف زوايا وتجارب وأسئلة مختلفة إلى التغطية الإعلامية.
كما لا يمكن الحديث عن الإعلام والصحافة من دون الحديث عن علاقتهما بالسلطة والمجتمع. فوسائل الإعلام لا تنقل الواقع بطريقة آلية، بل تختار الموضوعات التي تمنحها مساحة، وتحدد العناوين، وتقرر ترتيب الأولويات، وتختار الضيوف والمصادر والزوايا التي تقدم من خلالها القضايا.
ولهذا فإن المسؤولية الإعلامية والصحفية لا تتعلق فقط بعدم اختلاق المعلومات، وإنما تشمل أيضاً طريقة عرضها ووضعها في سياقها، وإتاحة المجال أمام الأصوات المختلفة، وعدم تحويل الإعلام إلى أداة لتضليل الجمهور أو توجيه وعيه بصورة تتناقض مع حقه في المعرفة.
الصحافة تستطيع أن تكون عين المجتمع على مكامن الخلل، وأن تمنح صوتاً لمن لا يمتلكون المنابر، وأن تضع الأسئلة الصعبة أمام أصحاب القرار، لكنها تستطيع أن تفقد هذا الدور إذا تحولت إلى مجرد صدى للسلطة أو تخلت عن استقلاليتها المهنية.
في النهاية يمكننا القول إنه في زمنٍ أصبحت فيه الأخبار تتدفق بلا توقف، وأصبح كل هاتف قادراً على أن يتحول إلى منصة نشر، لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بل في قدرتنا على معرفة أي المعلومات تستحق الثقة، وهنا تكمن مسؤولية الصحفي والإعلامي معاً. فالمجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات فقط، بل يحتاج إلى أصوات تعرف مسؤولية الكلمة، ولا يحتاج إلى مزيد من الأخبار فقط، بل إلى صحافة قادرة على البحث خلف الخبر، وإعلام يحترم عقل المتلقي ولا يتعامل معه باعتباره رقماً في قائمة المشاهدات.
إن الإعلام حين يفقد مسؤوليته يتحول إلى مجرد ضجيج، والصحافة حين تفقد مهنيتها تتحول إلى مجرد نقل ،أما حين يلتقي الإعلام المهني بالصحافة المسؤولة، تصبح الكلمة أكثر من خبر، وتصبح الصورة أكثر من مشهد، وتصبح المعلومة جسراً بين المجتمع وحقيقته.
فالإعلام قد يصنع حضور القضية، لكن الصحافة هي التي تمنحها عمقها، وبين الحضور والعمق تتشكل الرسالة التي تستحق أن تصل إلى الناس.
الصحفية خديجة إبراهيم
التعليقات مغلقة.