“دور الإعلام في تشكيل الواقع السوري بعد سقوط النظام: السرديات المتنافسة، التأثير السياسي، وتحديات المهنية”

56

تُعد التغطية الإعلامية في النزاعات عملية حساسة تتجاوز نقل الأخبار لتشمل توثيق الوقائع، وتحليل خلفيات الصراع، والتأثير في الرأي العام. وقد تلعب دوراً مزدوجاً؛ إما في تأجيج النزاع عبر الدعاية والاستقطاب، أو في دعم جهود السلام والمساءلة من خلال نقل الحقائق وتسليط الضوء على الأبعاد الإنسانية.

وتتمثل أبرز وظائفها في توثيق الانتهاكات، وتقديم المعلومات، والتأثير في المواقف السياسية، وإبراز الأزمات الإنسانية. في المقابل، تواجه تحديات كبيرة تشمل المخاطر الأمنية التي يتعرض لها الصحفيون، وصعوبة الوصول إلى المعلومات، واستغلال أطراف النزاع للإعلام في نشر الدعاية والتضليل.

وتتطلب التغطية المهنية للنزاعات الالتزام بالحياد والدقة، واحترام كرامة الضحايا، وتجنب الخطاب التحريضي، واعتماد أساليب صحفية حساسة لطبيعة الصراع. ومع توسع دور الإعلام الرقمي والصحافة الاستقصائية، أصبحت عمليات توثيق الأحداث أكثر انتشاراً، لكنها رافقت ذلك تحديات متزايدة في التحقق من المعلومات وتمييز الحقائق عن التضليل.

عينات إعلامية عن كيفية تناول الأحداث

تختلف طرق تناول الأحداث إعلامياً بحسب طبيعة الحدث، والسياسة التحريرية، وزاوية المعالجة. ومن أبرز الأنماط المستخدمة:

  • التغطية الإخبارية المباشرة: تعتمد على نقل الأحداث فور وقوعها عبر المراسلين والنشرات العاجلة، وتهدف إلى سرعة إيصال المعلومات ومواكبة التطورات.
  • الصحافة الاستقصائية: تركز على كشف الحقائق غير الظاهرة من خلال الوثائق والبيانات والتحليل، بهدف تفسير أسباب الأزمات وكشف التجاوزات.
  • الصحافة البناءة: تتناول الأزمات من زاوية الحلول والمبادرات المجتمعية، ولا تكتفي بعرض المشكلات، بل تسعى إلى تعزيز الوعي وإبراز مسارات التعافي.
  • التحليل السياسي المعمق: يقدم قراءة أوسع للأحداث من خلال الخبراء والمحللين، مع التركيز على خلفياتها وتداعياتها المحلية والإقليمية والدولية.
  • الإعلام الرقمي ومنصات التواصل: يعتمد على المحتوى السريع والتفاعلي مثل الفيديوهات القصيرة والرسوم التوضيحية والبث المباشر، وأصبح أداة رئيسية في نقل الأحداث والتأثير في الرأي العام.

الإعلام في سوريا

يتسم المشهد الإعلامي السوري بتعددية واسعة تعكس الانقسامات السياسية والجغرافية، حيث تتنافس سرديات مختلفة في تناول القضايا السياسية والإنسانية والخدمية والاقتصادية.

يركز إعلام مناطق الحكومة السورية الانتقالية على نقل الرواية الرسمية وإبراز جهود إدارة المرحلة الجديدة، مع اهتمام بالملفات الخدمية والمعيشية، بينما يواجه انتقادات تتعلق بضعف المساحة النقدية وتناول أوجه القصور الحكومي. أما إعلام مناطق الإدارة الذاتية، فيركز على التطورات الميدانية، ومسار التكامل مع مؤسسات الدولة، إلى جانب القضايا الخدمية والاقتصادية والتعايش بين المكونات.

في المقابل، تقدم المنصات الاستقصائية والرقمية المستقلة تغطيات معمقة تعتمد على التحقيق وتحليل البيانات، مع استمرار تأثر بعضها بالسياقات السياسية والفكرية التي نشأت ضمنها. أما الإعلام العربي، فيركز بدرجات مختلفة على قضايا حقوق الإنسان، وتداعيات الأزمة، والتحولات السياسية وإعادة الإعمار، ضمن رؤى تتأثر بالسياقات الإقليمية. بينما يتناول الإعلام الدولي الملف السوري من زوايا مرتبطة بالمواقف الجيوسياسية، مع تركيز الإعلام الغربي خصوصاً على الجوانب الإنسانية والانتهاكات، مقابل اهتمام أوسع لدى بعض الأطراف الدولية بالتوازنات السياسية ومصالحها الاستراتيجية.

المقارنة بين السرديات الإعلامية حول سوريا

تتسم السرديات الإعلامية حول سوريا بتعددها واختلاف زوايا تناولها، حيث تعكس توجهات سياسية ومصالح متباينة بين الإعلام المحلي والعربي والدولي. فالإعلام المحلي، بشقيه الرسمي والبديل، يركز على المرحلة الانتقالية ومسارات بناء الدولة، مع اختلاف في درجة دعمه للسياسات القائمة أو نقدها. أما الإعلام العربي والإقليمي، فيركز غالباً على التحولات السياسية، وتداعيات المرحلة السابقة، ودور السلطة الجديدة، ضمن إطار أوسع يرتبط بالتوازنات الإقليمية والجيوسياسية.

وتعكس هذه الاختلافات أن الإعلام لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يساهم في صياغة تفسيرها من خلال اختيار الأولويات والمصطلحات والزوايا التي يقدم بها التطورات السورية.

ويركز الإعلام الغربي بدرجة كبيرة على الملفات الإنسانية، مثل أزمة اللاجئين والضحايا والانتهاكات، ويقدم تغطيته غالباً من منظور حقوق الإنسان والقانون الدولي. إلا أن هذا التركيز لا ينفصل عن السياقات السياسية والاستراتيجية للدول والمؤسسات التي ينتمي إليها، حيث قد تتقاطع التغطيات الإنسانية مع أجندات ومصالح مرتبطة بالسياسة الخارجية تجاه سوريا والمنطقة.

أما الإعلام الروسي، فقد اتجه في المرحلة الراهنة إلى تقديم خطاب أكثر هدوءاً وواقعية في تعامله مع التطورات السورية، مع التركيز على إعادة بناء العلاقة مع الحكومة السورية الجديدة والحفاظ على موقع روسيا ودورها داخل سوريا. ومع ذلك، فإن هذا الخطاب لا يخلو من حسابات المصالح الاستراتيجية الروسية، سواء المتعلقة بالنفوذ السياسي أو العسكري أو الدور الإقليمي، مما يجعل موضوعيته الظاهرية مرتبطة أيضاً بأهداف أوسع تتجاوز مجرد نقل الأحداث.

تقييم الموضوعية والحياد في تناول الملف السوري

يفتقر تناول الملف السوري إلى الحياد التام نتيجة الاستقطاب السياسي والإعلامي، حيث تؤثر الخلفيات السياسية والجهات الممولة في توجيه التغطيات، ويظهر ذلك عبر انتقائية المصطلحات والأحداث بما يخدم سرديات مختلفة. يحاول الإعلام المحلي بعد التحولات السياسية الأخيرة التركيز على قضايا التعافي والسلم الأهلي والعدالة الانتقالية والتنمية، إلى جانب إعلام رديف يبرز معاناة المدنيين والتحديات الاقتصادية، إلا أن قدرته على التأثير والإقناع ما تزال مرتبطة بمدى الثقة به داخل مجتمع منقسم. أما الإعلام العربي فيميل غالباً إلى دعم المسار السياسي القائم، مع التركيز على إعادة الإعمار ودور الحكومة الجديدة، ضمن إطار إقليمي وجيوسياسي أوسع. بينما يعكس الإعلام الدولي، الغربي والروسي، تداخلاً بين التغطية الإعلامية والحسابات السياسية؛ فالغربي يركز على الملفات الإنسانية وحقوق الإنسان مع تأثره بسياقاته السياسية، في حين يقدم الروسي خطاباً أكثر براغماتية تجاه الواقع الجديد، مع ارتباطه بمصالح روسيا الاستراتيجية في سوريا والمنطقة.

التغطية الإعلامية للوضع الاقتصادي والمعيشي في سوريا

تركز التغطية الإعلامية للوضع الاقتصادي في سوريا على اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، وتفاقم الفقر والتضخم وتراجع القدرة الشرائية، مع اختلاف زوايا المعالجة بين وسائل الإعلام. فالإعلام الرسمي يبرز جهود الحكومة وبرامج الدعم وخطط التعافي الاقتصادي، بينما تركز وسائل الإعلام النقدية على تأثير الأوضاع المعيشية على المواطنين، مثل ضعف الرواتب وارتفاع الأسعار. كما توثق المؤسسات الدولية واقع الأزمة الإنسانية وتحديات التعافي في ظل تضرر البنية التحتية، في حين تربط وسائل الإعلام العربية والدولية الملف الاقتصادي بالتحولات السياسية والعقوبات وفرص الاستثمار. وتلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً متزايداً في نقل تفاصيل الحياة اليومية، عبر تداول أسعار السلع وتوثيق معاناة المواطنين، مما يجعلها مساحة مؤثرة في تشكيل النقاش العام حول الأزمة الاقتصادية.

الفجوات والانحيازات الإعلامية في الملف السوري بعد سقوط النظام

يشهد المشهد الإعلامي السوري بعد سقوط النظام توسعاً كبيراً في هامش الحريات وعدد المنصات، لكنه يواجه تحديات بنيوية تتمثل في ضعف المؤسسات الرسمية، وغياب المصادر الموثوقة، وصعوبات التمويل والاستدامة، إضافة إلى نقص الحماية القانونية للصحفيين. وقد أدى انهيار المنظومة الإعلامية إلى خلق فراغ معلوماتي زاد الاعتماد على مصادر بديلة، خصوصاً منصات التواصل الاجتماعي.

كما يعاني الإعلام السوري من استقطاب سياسي ومناطقي وطائفي انعكس على طبيعة التغطيات، حيث تستخدم بعض المنصات خطابات تزيد التوترات أو تتبنى سرديات مرتبطة بجهات سياسية داعمة لها، في حين تستمر بعض الشبكات المرتبطة بالنظام السابق في نشر روايات مضللة. ويبرز تحدي التوثيق أيضاً مع الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل كمصدر للأخبار، ما يزيد مخاطر انتشار الشائعات، ويجعل بناء أرشيف إعلامي موثوق وحفظ الذاكرة الوطنية من أبرز تحديات المرحلة الانتقالية.

تقييم الخطاب الإعلامي

يمر الخطاب الإعلامي في سوريا بمرحلة انتقالية تتسم بتوسع الفضاء الرقمي وارتفاع هامش التعبير، مقابل استمرار ضعف البنى المؤسساتية والتشريعية اللازمة لضمان إعلام مهني ومستقل. ورغم التحسن النسبي في مؤشرات حرية الصحافة نتيجة تراجع المخاطر الأمنية مقارنة بسنوات الحرب، فإن البيئة الإعلامية لا تزال تواجه فجوة بين حرية النشر وغياب الأطر القانونية والتنظيمية الواضحة لحماية الصحفيين وتنظيم العمل الإعلامي.

كما يواجه المشهد تحديات مرتبطة بتنظيم القطاع، ومحاولات ضبط التضليل وخطاب الكراهية، في ظل نقاشات حول دور المؤسسات الرسمية ومدى قدرتها على تحقيق توازن بين التنظيم والحريات. ويزيد من تعقيد المشهد استمرار الانقسام الجغرافي والسياسي، في ظل تعدد مصادر الخطاب الإعلامي، ما يجعل بناء خطاب إعلامي وطني جامع أحد أبرز تحديات المرحلة الانتقالية.

تأثير التغطية والخطاب الإعلامي في سوريا

أدى الخطاب الإعلامي في سوريا دوراً مؤثراً في تشكيل الرأي العام خلال سنوات الصراع، حيث ساهم تنوع المنصات وانتشار الإعلام الرقمي في إنتاج سرديات متباينة أثرت على الوعي المجتمعي وعززت في بعض المراحل حالة الاستقطاب والانقسام. فقد استخدمت بعض الوسائل الإعلامية خطاباً يقوم على ثنائية “نحن والآخر”، وساهمت الخطابات التحريضية والمعلومات المضللة في تعميق التوترات وإطالة أمد الصراع.

كما واجه العمل الإعلامي تحديات كبيرة تمثلت في المخاطر الأمنية التي تعرض لها الصحفيون، والقيود المفروضة على تداول المعلومات، ما أدى إلى بيئة إعلامية مجزأة تتنافس فيها روايات متعددة. وفي المرحلة الراهنة، يبرز دور الإعلام كعنصر أساسي في مسار التعافي والعدالة الانتقالية، من خلال دعم التوثيق، وتعزيز خطاب مسؤول، والمساهمة في بناء ذاكرة وطنية تحد من تكرار الانقسامات السابقة.

التغطية الإعلامية للأزمة الإنسانية وملف اللاجئين في سوريا

انتقلت التغطية الإعلامية للأزمة الإنسانية في سوريا بعد التحولات السياسية الأخيرة الى جانب التركيز على البعد السياسي للمرحلة الانتقالية، إلى الاهتمام بملفات العودة، والظروف المعيشية، ونقص الخدمات، وتحديات إعادة الإعمار. وتبرز التغطيات تفاوت معدلات عودة اللاجئين والنازحين بين المناطق، في ظل استمرار المخاوف الأمنية وضعف البنية التحتية.

كما تركز التقارير المحلية والدولية على استمرار الأزمة الإنسانية، بما في ذلك تراجع الخدمات الأساسية، ونقص الرعاية الصحية، وأزمات الكهرباء والمياه والتعليم، والحاجة المستمرة للمساعدات. ويشهد المشهد الإعلامي بدوره تحولاً مع اتساع هامش الحريات وظهور منصات مستقلة، بينما تركز وسائل الإعلام الإقليمية والدولية على تحديات المرحلة الانتقالية وإعادة الإعمار، مع استمرار الجدل حول ظروف العودة الآمنة والطوعية للاجئين.

التغطية الإعلامية للمرحلة الانتقالية ومستقبل سوريا

تتناول وسائل الإعلام مشاريع الحل السياسي ومستقبل سوريا الانتقالي عبر سرديات متعددة تعكس اختلاف التوجهات السياسية والمصالح الفاعلة. فبينما تركز بعض التغطيات على الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة ومنع الفوضى، تسلط أخرى الضوء على قضايا العدالة الانتقالية، حقوق المكونات، والمشاركة السياسية.

ويبرز دور الإعلام المستقل في توثيق الانتهاكات وحفظ الذاكرة الجماعية وتعزيز النقاش حول المساءلة، في حين تكشف التغطيات وجود فجوة بين أولويات النخب السياسية والإعلامية وبين اهتمامات المواطنين، حيث يركز الشارع بدرجة أكبر على الأمن والخدمات والتعافي الاقتصادي. كما تعكس التغطيات الإقليمية والدولية مستقبل سوريا ضمن سياق أوسع مرتبط بإعادة الإعمار والتوازنات الجيوسياسية. أما مشاريع المشاركة السياسية، فتقدمها وسائل الإعلام الرسمية بوصفها جهوداً لبناء التوافق والمؤسسات، بينما تركز المنصات المستقلة على دور المجتمع المدني وتمكين الفئات المختلفة في العملية السياسية، بما يعكس استمرار التباين في تفسير مسار المرحلة الانتقالية.

تحليل الخطاب الإعلامي في سوريا: الخطاب التفاؤلي والتشاؤمي والدعائي

يعكس الخطاب الإعلامي في سوريا تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، حيث تتباين الرسائل الإعلامية وفقاً للجهات المنتجة لها وأهدافها. ويمكن تصنيف أبرز أنماط الخطاب إلى ثلاثة مسارات رئيسية:

يهدف الخطاب التفاؤلي، المرتبط غالباً بالإعلام الرسمي وشبه الرسمي، إلى تعزيز الأمل والتركيز على التعافي وإعادة الإعمار والتنمية، لكنه يواجه انتقادات بسبب الفجوة بين لغته الإيجابية والواقع المعيشي الصعب. في المقابل، يركز الخطاب التشاؤمي، الذي يظهر في بعض الإعلام المعارض وخطاب الشارع، على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والفساد وتراجع الخدمات.

أما الخطاب الدعائي، فيسعى كل طرف من خلاله إلى ترسيخ روايته وتقديم رؤيته بوصفها الأكثر صحة، عبر توظيف لغة تعبئة واستقطاب تؤثر في فهم الجمهور للواقع.

الإعلام بين المهنية والتأثير السياسي في سوريا

تأثر الإعلام السوري لعقود بالاستقطاب السياسي، حيث هيمن الخطاب الرسمي على المشهد لفترات طويلة، ثم ظهرت لاحقاً منصات معارضة ومستقلة تبنت سرديات مختلفة ركزت على التوثيق والمساءلة. لذلك أصبح الإعلام ساحة تتداخل فيها الوظيفة المهنية مع التأثيرات السياسية، ما أثر على مستوى الموضوعية والاستقلالية.

يتوزع المشهد الإعلامي بين إعلام رسمي ارتبط تاريخياً بخطاب الدولة، وإعلام بديل حاول تقديم روايات مضادة، إضافة إلى منصات محلية مرتبطة بجهات سياسية مختلفة. وقد انعكست سنوات الصراع على الأداء المهني من خلال انتشار التحيز والتضليل وضعف معايير التحقق، إلى جانب المخاطر التي يواجهها الصحفيون والقيود على الوصول إلى المعلومات.

كما تواجه المؤسسات الإعلامية المستقلة تحديات تتعلق بالتمويل والاستدامة واحتمالية التأثر بأجندات الجهات الداعمة. وفي المقابل، لعب الإعلام الرقمي دوراً متزايداً في نقل المعلومات وتشكيل الرأي العام خارج الأطر التقليدية. ويبقى التحدي الأساسي أمام الإعلام السوري هو بناء نموذج مهني مستقل يوازن بين نقل الحقائق والتعامل مع القضايا السياسية والاجتماعية بعيداً عن الاستقطاب.

أثر الإعلام على مسار التطورات الميدانية بعد سقوط النظام

أصبح الإعلام بعد سقوط النظام أكثر تأثيراً في مسار التطورات الميدانية، حيث تحول الفضاء الإعلامي إلى ساحة للتنافس بين سرديات متعددة بهدف التأثير في الرأي العام وترسيخ مواقف الأطراف المختلفة، في ظل حالة الفراغ المعلوماتي وما رافقها من تحيز وتشويه متعمد في بعض التغطيات. ومع الانحياز الواضح للقنوات الرسمية، تعزز دور الإعلام البديل ومنصات التواصل الاجتماعي في نقل الأحداث وتشكيل التصورات حولها. كما ساهم انتشار المعلومات المضللة والحملات الرقمية المرتبطة بجهات مختلفة في زيادة التوترات المجتمعية وتعقيد المشهد الأمني، مقابل بروز دور الإعلام المستقل في التوثيق وتعزيز النقاش العام، رغم استمرار التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه الصحفيين والمؤسسات الإعلامية خلال المرحلة الانتقالية.

تأثير الإعلام على مسارات التفاوض والحلول السياسية

يلعب الإعلام في سوريا دوراً مزدوجاً في مسار الحلول السياسية؛ فهو أداة لتوجيه الرأي العام والضغط على الأطراف المتفاوضة، وفي الوقت نفسه ساحة لصراع السرديات التي قد تعزز الانقسامات أو تدعم مسارات التسوية. فقد ساهمت التغطيات الإعلامية خلال مراحل الصراع في تعبئة الجمهور أو الترويج للتهدئة والمصالحات، كما أثرت في تشكيل المواقف تجاه مختلف المبادرات السياسية.

كما أدى الإعلام دوراً مهماً في توثيق الانتهاكات وإبراز قضايا الضحايا والعدالة الانتقالية، مما جعل هذه الملفات جزءاً أساسياً من النقاش حول مستقبل سوريا. وعلى المستوى الدولي، ساهمت التغطيات والتحقيقات الإعلامية في التأثير على مواقف الجهات الخارجية، بينما استخدمت الأطراف المتفاوضة الإعلام أحياناً لتوجيه الرسائل أو الضغط خلال المفاوضات.

إلا أن انتشار التضليل الإعلامي وخطابات الكراهية، إلى جانب انقسام المؤسسات الإعلامية بين توجهات سياسية مختلفة، حدّ من قدرة الإعلام على دعم بناء توافق وطني، وجعله في كثير من الأحيان عاملاً يعكس الانقسامات القائمة أكثر مما يتجاوزها.

الخاتمة

أظهرت الدراسة أن الإعلام السوري يمر بمرحلة تحول عميقة اتسمت بتوسع كبير في عدد المؤسسات والمنصات، مع توجه متزايد نحو الرقمنة وتطوير الأدوات المهنية. كما سجلت مؤشرات حرية الصحافة تحسناً ملحوظاً مقارنة بالمرحلة السابقة، إلا أن هذا الانفتاح ما زال يواجه تحديات تتعلق بضعف الأطر القانونية، وهشاشة بيئة العمل الصحفي، وتأثير الاستقطاب السياسي.

وبيّنت الدراسة أن أبرز التحديات الراهنة تتمثل في انتشار المعلومات المضللة وخطابات الكراهية، والحاجة إلى ترسيخ صحافة مهنية مستقلة قادرة على دعم التوثيق والعدالة الانتقالية وحفظ الذاكرة الجماعية بعيداً عن التوظيف السياسي. كما أظهرت أن أولويات الجمهور السوري تتركز بشكل أساسي على الأخبار المحلية والسياسية والأمنية، إضافة إلى القضايا الاقتصادية والمعيشية المرتبطة بحياته اليومية.

وبذلك، يبقى مستقبل الإعلام السوري مرتبطاً بقدرته على الانتقال من فضاء التنافس والصراع على السرديات إلى نموذج مهني أكثر استقلالية، يوازن بين حرية التعبير والمسؤولية الإعلامية، ويسهم في دعم الاستقرار وبناء الثقة المجتمعية خلال المرحلة الانتقالية.

 

المصادر:

https://ijnet.org/ar/story/%D8%AD%D8%AA%D9%89-%D9%84%D8%A7-%D8%AA%D8%B5%D8%A8%D8%AD-%D8%A3%D9%86%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%AF%D9%84%D9%8A%D9%84%D9%83-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%BA%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B2%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA

https://studies.aljazeera.net/ar/article/6301

 

http://oldspace.univ-tebessa.dz:8080/xmlui/handle/123456789/12272

https://www.noonpost.com/347210/

https://sydialogue.org/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%B2%D8%9B-%D8%AA%D8%BA%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7/

https://qiraatafrican.com/29903/%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%BA%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9- %D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B7%D9%82-       %D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B2%D8%A7/

https://snhr.org/blog/2025/12/03/legal-and-societal-roles-of-media-in-syrian-transitional justice/

https://www.dw.com/ar/%D9%81%D9%8A-%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A-%D9%87%D9%84-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%88%D8%A8%D8%A9/a-72425900

https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1759951-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%8A%D9%81%D8%B1%D8%B6-%D8%B3%D9%8A%D8%B7%D8%B1%D8%AA%D9%87-%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D9%88%D8%B0-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%95%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9%D8%9F

https://scirsr.org/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A8%D9%88%D8%B5%D9%81%D9%87-%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%A7%D9%8B-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7/

 

التعليقات مغلقة.