الإعلام الكُردي.. تجاوزات تبدأ بتجارة بيع المقاطع ولا تنتهي بالبحث عن الشهرة دون احساس بالمسؤولية

0

جهاد درويش

 

لطالما عُرِفَت الصحافة بدورها في تنمية المجتمع، وتشكيل الرأي العام عبر التثقيف والتوعية، كما لا يخفى أنّ نزعة المسؤوليّة الاجتماعيّة في الإعلام ارتبط ظهورها بمساهمة صحفيين ذو مبادئ وثقافة إبان الحرب العالميّة الثانية.

من هنا يتضح أنّ دور الإعلام يجب ألا يقتصر على صقل معرفة المتلقي، عبر أداء وظيفة نقل الأحداث، بل العمل على زيادة وعي المجتمع ورفع سويّته الفكريّة في مختلف المجالات، كما والسعي إلى تحقيق أقصى قَدِر من تفاعل أفراده مع محيطهم، حتى تكون غالبيته متفاعلة ومنفتحة على ما يحدث من حولها.

إلا أنّه، وبالنظر إلى واقع الإعلام الكُرديّ في روج آفا وشمال سوريا، ورغم مرور أكثر من سبع سنوات من العمل ضمن ظروف -شبه طبيعيّة- لم تَكٌن متوفرة من قبل، نجد أنّ وفرة وسائل الإعلام، وكَمّ العاملين الكبير فيها، لم تترجم -كما كان مؤملاً- إلى ما يمكن التعويل عليه في النهوض بمسؤوليات الإعلام في هذه المرحلة الحساسة، لا بل إنّ بعض المؤسسات الإعلاميّة، التي يمكن وصفها بالسطحيّة، كرّست الإثارة في تغطيتها، وبدل أنْ تضمحل وتزول وتصبح ذكرى مُسليّة، نجدها تحولت إلى نماذج يحتذى، وعلى ضوئها تمّ استنساخ تجارب مشابهة تنافسها في السطحيّة والخفّة. لذا باتَ من الطبيعي أنْ نجد إعلاماً أبعد ما يكون عن أداء دور تنمويّ أو توعويّ.

على إنّ الأكثر أهميّة في هذا السياق هو ظهور مجموعة من الممارسات قد أخذتْ طريقها إلى الوسط الإعلاميّ كسلوكيات اعتياديّة يمكن للصحفيين التحلي بها دون أيّ رادع أخلاقيّ أو مهنيّ، في حين أنّها ليست إلا تجاوزات بحق مهنة بالغة الحساسية والأثر في حياة المجتمعات، وتصنّف على أنها سلطة بحدّ ذاتها. لذا باتَ من الضروري الوقوف عند هذه الممارسات وتعريتها حتى لا تغدو مثالاً للاقتداء، خاصة إننا لا زلنا في مرحلة تأسيسيّة لتجربتنا في الإعلام، ومن المفترض أنْ تتضافر فيها الجهود حتى تُبنى على أسس مهنيّة وأخلاقيّة سليمة.

وأول ما يمكن التعليق عليه في مضمون العشرات من التقارير التي تُعِدّها الوسائل الاعلاميّة المحليّة والإقليميّة من الشمال السوريّ، هو أنّ العديد منها تفتقد إلى المسؤوليّة، لكونها تساهم في إشغال شرائح كبيرة من المجتمع عن محيطها، وتَحُدّ من تفاعلها مع ما يحدث من حولها، كما وتساهم -بقصد أو بدونه- في تكريس ثقافة الابتذال. والأمثلة كثيرة في هذا الشأن، فما المغزى مثلاً من إجراء استطلاع للرأي، يكون السؤال المحوريّ فيه (شو تغديت مبارحة؟ أو شو هي أكلتك المفضلة؟) وفي المقابل ما هو الهدف من إعداد تقرير مُمِلّ؛ يقترب من الوثائقيّ في طوله، ويتحدث عن الجِنّ ومجموعة أشباح تُضرِم النيران في أحد المنازل بشكل متكرر، ومن دون أي سبب!! يا سبحان الله.

وفي مطلق الأحوال وسواءً أكانت هذه التقارير ناتجة عن ضعف المستوى الفكريّ والثقافيّ للصحفيّ، أم لسياسة الوسيلة الإعلاميّة التي يعمل فيها، فإنّ هذه التقارير السطحيّة لا يمكن قبولها من باب أنّها تقدّم شيئاً من التسلية، كأحد مهام الإعلام، وعلى اعتبار أنّ ظروف الحرب والمآسي التي مرّ بها الناس خلال السنوات الماضية تُجيز تقديم مواد تفتقد عنصر الأهميّة.

ضمن هذا السياق قد يتساءل أحدهم عن الأسباب التي أدّت مؤخراً إلى رواج هذه المواد “المسليّة والخفيفة” في وسائل الإعلام، خاصة بعد أنْ بدأت وسائل التواصل الاجتماعيّ تفرض إيقاعها على الإعلام التقليديّ.

وإذ لا يمكننا إنكار التأثير البالغ لوسائل التواصل الاجتماعيّ على الإعلام ودفعه إلى نشر مواد فيها شيء من طبيعة هذه الوسائل الاجتماعيّة وخصوصيتها، إلا أنّ ما يغيب عن بالنا حينما نقرّ بمثل هكذا افتراض، هو أنّ غالبية هذه الوسائل الإعلاميّة تعمل ضمن مجتمعات تعيش ظروف طبيعيّة، وهي أبعد ما تكون عن حالة الحرب والصراع الطاحن الذي نعيشه منذ سنوات.

الأمر الذي يجعل من مجرد التفكير في إعداد هكذا مواد في مثل هكذا ظروف، رفاهية فكريّة لا أكثر. عدا أنّنا يجب ألا ننسى أنّ الكثير من هذه المواد “المسليّة” تأتي في سياق كسر جدّيّة التغطية الإخباريّة وإضفاء الطابع الإنسانيّ عليها، بعد أنْ أغرقتها قصص الحروب والكوارث، وعلاوة على ذلك فإنّها في غالبيّة الأحوال تكون مواد لا تفتقد الأهميّة ولا تروّج للابتذال، كما إنّها لا تشوّه صورة الأشخاص والمجتمع التي تُعِدّ عنه، كما نَجِدُه في بعض المواد والتقارير المُعَدّة عن مناطقنا ومجتمعنا. وربما من الأجدى بدل من ذلك كلّه، هو أنْ يتم التركيز على الفساد المستشري في مؤسسات الادارة الذاتيّة وضعف خدماتها وحالة التخبّط فيها، لإنتاج مواد ساخرة تكون أقرب إلى نبض الشارع ولسان حال الناس فيه.

بَيْدَ أنّ انعدام الاحساس بالمسؤوليّة لا يقتصر على تقديم مواد مبتذلة وحسب، بل نَجِدُه وصل في بعض الحالات إلى ممارسة التضليل المقصود، واختلاق أخبار كاذبة، ونشرها مع صور مفبركة. في فعل لا يمكن تفسيره إلا من باب البحث عن الشهرة السريعة، والتميّز عبر الحصول على أكبر قدر من الإعجابات والمشاهدات على الإنترنت. ما يَنُمّ عن سطحيّة وقلّة وعي بمعايير هذه المهنة وأخلاقياتها التي لا تُجيز تحقيق سَبِق صحفيّ على حساب الاستهتار بعقول الناس، كما أنّه يكشف تالياً عن ضعف في مهارات البحث وأساليب كشف الأخبار الكاذبة التي يتوجّب على الصحفيّ إتقان أبسط تقنياتها؛ كالرجوع إلى المصادر الرسميّة والتأكد منها عن صحة ما ينُشر من أنباء حساسة وإشكاليّة تتعلق بها قبل النشر، وكذلك التحقق من صحة الصور المرفقة عبر الإنترنت.

ضمن ذات السياق لا يجب أنْ ننسى ظاهرة بيع المقاطع؛ التي يمكن تسجيلها كسابقة في تاريخ الإعلام الكُرديّ، وقد وصلت حالياً إلى مستوى التجارة المربحة في روج آفا، ذلك أنّ بعض ممتهنيها وصلوا إلى درجة ممارسة الابتزاز مع الوسائل الإعلاميّة؛ كأنْ نَجِدَ صحفيّاً يستغل اسم المؤسسة التي يعمل لديها في إعداد مادة مصورة حول شخصية “داعشية” مهمّة، وأسيرة لدى جهة عسكريّة، لكنّه حال الانتهاء من إعدادها، يعرضها على أكثر من وسيلة إعلاميّة دوليّة، بغية الحصول على أعلى سعر لمادته، في مقابل  إغرائهم بحصريتها وأهميتها، الأمر الذي تعتبره الوسائل الإعلاميّة العالميّة على أنّه ابتزاز بعيد عن أخلاقيات المهنة.

وبطبيعة الحال فإنّ إعداد مثل هكذا تقارير، لا يمكن أنْ يتمّ دون وجود شبكة وسيطة، أو مجموعات منظمة داخل المؤسسة العسكريّة، تمنح حقوق التصوير الحصريّة لبعض الصحفيين على حساب آخرين، وتكون مهمتها الأساسيّة تأمين مثل هذه المواد الصحافيّة في مقابل ضمان حصولها على نسبة من الارباح في حال بيعت “البضاعة” إلى أحد “الزبائن” الإعلاميين. لذا على هكذا مؤسسات عسكريّة أنْ تكون متيقظة لمثل هذه الظواهر، وأنْ تتحرى وتتحقق من احتماليّة نشوء مثل هكذا شبكات، الأمر الذي يُلْحِق الضرر بسمعتها بالدرجة الأولى، وبالعمل الإعلامي تالياً.

وأخيراً فمن المؤسف أنّ مثل هذه الممارسات تحدث على مرأى ومسمع العديد من النقابات الصحافيّة، وكذلك المجلس الأعلى للإعلام، التابع للإدارة الذاتيّة، إذ لا يزال عملهم مقتصراً حتى الآن على منح التراخيص أو مصادرتها من المؤسسات الإعلاميّة، كما وجمع الاشتراكات السنويّة، وفي حال وُجِدَت لديها فِرَق متابعة ورصد، فإنّها تكون مسكونة بهواجس أمنيّة، ولا يتعدى عملها إعداد تقارير غير مهنيّة، مضمونها هو اقتناص تقارير وأخبار ناقدة تعتبرها “كيديّة” ضد الإدارة الذاتيّة.

ودون شك لاتزال هناك العديد من الممارسات الخاطئة التي تستحق الوقوف عندها، إلا أنّ الأفضل هي أنْ تأتي في مقالة لاحقة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.