حرب الظلال تتحول إلى مواجهة كبرى: المضائق والاقتصاد يرسمان مسار الصراع

540

اندلعت الحرب الأميركية – الإيرانية في الـ 28 من شباط/ فبراير الماضي بضربات شنتها واشنطن وتل أبيب على طهران، وأسفرت عن مقتل وإصابة المئات وتضرر الاقتصاد العالمي لاسيما في سلاسل إمدادات الطاقة العالمية وتوقف أهم المضائق التي تتحكم بها إيران والتي تربط بين الشرق الأوسط والغرب.

ويتقاطع في هذه المرحلة المسار العسكري مع الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية في واحدة من أكثر لحظات التوتر حساسية في المنطقة، حيث تتصدر المضائق البحرية وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب واجهة المشهد كأدوات ضغط تتجاوز البعد التكتيكي إلى رهانات استراتيجية أوسع.

وبعد مرور أكثر من شهر على اندلاع المواجهات العسكرية، تشير البيانات الملاحية والجيوسياسية إلى أن إيران نجحت في إرساء سيطرة شبه مطلقة على مضيق هرمز، محولةً إياه من ممر دولي مفتوح إلى “منطقة نفوذ سيادية” تخضع لإدارتها المباشرة وفق بلومبرج.

وانخفضت حركة العبور اليومية من 135 سفينة في الأوقات الطبيعية إلى متوسط 6 سفن فقط يومياً خلال شهر آذار، وهو تراجع غير مسبوق بنسبة تتجاوز 95%، مما يعكس الشلل شبه التام لهذا الشريان الحيوي.

مضيق هرمز والسيطرة الإيرانية الواضحة

كشفت بيانات تتبع السفن أن 80% من الناقلات التي نجحت في الخروج من مضيق هرمز هذا الشهر كانت إيرانية أو تابعة لدول تربطها علاقات وثيقة بطهران، في حين انخفضت صادرات العراق بأكثر من 80% وصادرات السعودية من موانئ الخليج بأكثر من الربع.

وتمكنت إيران من زيادة صادراتها النفطية بنسبة 8% لتصل إلى 1.8 مليون برميل يومياً، موجهة بالكامل تقريباً إلى الصين، مما وفر لها تدفقات نقدية بمئات الملايين من الدولارات في قلب الحرب.

وتستعد طهران حالياً لشرعنة قبضتها عبر قانون يفرض “رسوم ملاحية” وتدقيقاً أمنياً مفصلاً على كافة السفن الراغبة في العبور، وهو نظام بدأ تطبيقه فعلياً عبر وسطاء يطلبون قوائم الشحن وهويات الطاقم.

ويعد هذا التحرك ضربة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) التي تنص على “حق المرور العابر”، مستغلةً حقيقة عدم مصادقة إيران والولايات المتحدة رسمياً على الاتفاقية، لتجعل السيادة على الممر أحد شروطها الخمسة لإقرار السلام.

نتائج السيطرة على مضيق هرمز

أدت سيطرة إيران على مضيق هرمز إلى اضطرابات غير مسبوقة في قطاع التأمين البحري، حيث قفزت أقساط مخاطر الحرب في المضيق لتصل إلى 10% من قيمة السفينة في بعض الحالات، مما دفع بورصة البلطيق لتجربة أسعار مرجعية جديدة تنطلق من عُمان كبديل لمؤشرات الخليج.

ومع استمرار التشويش الإلكتروني وهجمات الطائرات المسيرة التي طالت سفناً تجارية، بدأت قوى إقليمية مثل الهند وتايلاند وماليزيا في الدخول في مفاوضات ثنائية مباشرة مع طهران لتأمين عبور شحناتها العالقة، مما يكرس دور إيران كـ “بوابة” حصرية للتجارة في المنطقة.

الاقتصاد العالمي في دائرة الاستهداف

تحدث المستشار السابق للبنك الدولي عمرو صالح في تحليل لقناة “سكاي نيوز عربية” عن الأبعاد الاقتصادية للأزمة، مؤكدا أن “واجهة الصراع عسكرية، غير أن خلفيته اقتصادية بامتياز”.

وأوضح أن؛ كل ارتفاع في سعر برميل النفط بمقدار 10 دولارات يحدث تباطؤا في الاقتصاد العالمي يتراوح بين 0.2% و0.4%، مما يعني أن قفزاً سعرياً من 50 إلى 100 دولار كفيل بإحداث ركود بنسبة 1%، وهو رقم ضخم في سياق الاقتصاد الدولي.

ما أهمية مضيق باب المندب المهدد بالإغلاق من قبل إيران؟

أثارت التهديدات الإيرانية ضد ممر ملاحي حيوي في البحر الأحمر مخاوف من مزيد من الاضطراب في التجارة العالمية.

وقد أغلقت إيران مضيق هرمز، مانعةً حركة الملاحة البحرية من مغادرة الخليج العربي، وتهدد الآن بتعطيل التجارة المارة عبر مضيق باب المندب بين خليج عدن والبحر الأحمر، المؤدي إلى قناة السويس.

وقالت إيران إنها قد “تفتح جبهات أخرى” في الحرب إذا ما تم نشر قوات أمريكية برياً.

ونقلت وكالة أنباء تسنيم، التابعة للحرس الثوري الإسلامي، عن مصدر عسكري إيراني قوله: “يُعتبر مضيق باب المندب أحد المضائق الاستراتيجية في العالم، وإيران لديها الإرادة والقدرة على خلق تهديد حقيقي فيه”.

وهددت إيران بتعطيل المضيق إذا هاجمت الولايات المتحدة جزيرة خرج، التي تضم محطة نفطية رئيسية.

أهمية مضيق باب المندب

يقع مضيق باب المندب بين اليمن على الجانب العربي من البحر الأحمر، وجيبوتي وإريتريا على الجانب الأفريقي، وتمرّ عبره حركة الملاحة البحرية القادمة من المحيط الهندي وخليج عدن للوصول إلى قناة السويس.

يبلغ طول المضيق 115 كيلومتراً وعرضه 36 كيلومتراً، وقد أصبح حلقة وصل أساسية في التجارة العالمية بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، مما أدى إلى إنشاء أقصر طريق بحري بين أوروبا وآسيا.

يُعد ممر البحر الأحمر اليوم من أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم، حيث يمر عبره ما يقارب ربع حركة الملاحة البحرية العالمية.

وسيؤدي إغلاق مضيق باب المندب إلى تعطيل 12 في المئة أخرى من عمليات نقل النفط العالمي.

ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمر عبر المضيق يومياً ما يقارب خمسة ملايين برميل من النفط من دول الشرق الأوسط وآسيا والمتجهة إلى الغرب، علاوةً على ذلك، يمر عبر مضيق باب المندب 8 في المئة من الشحنات العالمية للغاز الطبيعي المسال، مما يجعله شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية.

ومنذ الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، اكتسب البحر الأحمر أهمية بالغة في التجارة العالمية، وقد بدأت المملكة العربية السعودية باستخدام باب المندب كنقطة عبور لتصدير النفط السعودي من ميناء ينبع، وتُصدّر الرياض ملايين البراميل من النفط الخام يومياً من حقولها الشرقية عبر خط أنابيب.

وإلى جانب النفط والغاز، يُشكّل مضيق باب المندب جزءاً من الرابط التجاري الرئيسي بين الشرق والغرب، حيث تعبر مياهه عشرات سفن الشحن يومياً.

دور الحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب

من المرجح أن تُنفذ أي هجمات على مضيق باب المندب من قبل الحوثيين، الجماعة السياسية والعسكرية المدعومة من إيران في اليمن.

وفي 28 آذار، شنّ الحوثيون هجوماً على إسرائيل، في أول تدخل لهم في الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وأعلنت إسرائيل أنها أسقطت صاروخين قادمين من اليمن.

وتسيطر الجماعة على ساحل اليمن على البحر الأحمر، وقد استهدفت مضيق باب المندب خلال حرب غزة.

وهاجم الحوثيون، بشكل منفرد، أكثر من 100 سفينة تجارية بالصواريخ والطائرات المسيرة، ما أدى إلى إغراق سفينتين ومقتل أربعة بحارة.

وفي 26 شباط، قالت الإدارة البحرية التابعة لوزارة النقل الأمريكية في بيان: “على الرغم من أنّ جماعة الحوثي الإرهابية لم تهاجم السفن التجارية منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وغزة في تشرين الأول 2025، إلا أنّ الحوثيين ما زالوا يشكلون تهديداً للأصول الأمريكية، بما في ذلك السفن التجارية، في هذه المنطقة”.

هل تعوض الطرق البديلة أهمية المضائق؟

دفع التهديد المستمر بإغلاق مضيق هرمز على مر السنين، الدول المصدرة للنفط في منطقة الخليج إلى تطوير طرق تصدير بديلة.

ووفق تقرير لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فعَّلت المملكة العربية السعودية خط أنابيب “شرق – غرب”، وهو خط بطول 1200 كيلومتر قادر على نقل ما يصل إلى 5 ملايين برميل من النفط الخام يومياً.

وفي عام 2019، أعادت السعودية استخدام خط أنابيب الغاز الطبيعي مؤقتاً لنقل النفط الخام.

كما ربطت دولة الإمارات العربية المتحدة حقولها النفطية الداخلية بميناء الفجيرة على خليج عمان عبر خط أنابيب بطاقة يومية تبلغ 1.5 مليون برميل.

وفي يوليو/تموز 2021، دشنت إيران خط أنابيب غوره – جاسك، المخصص لنقل النفط الخام إلى خليج عُمان، ويستطيع هذا الخط حالياً نقل حوالي 350 ألف برميل يومياً، مع أنّ التقارير تشير إلى أنّ إيران لم تحقق هذا القدر بعد.

ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية في حزيران العام الماضي، يمكن أن تتوفر نحو 2.6 مليون برميل يومياً من الطاقة غير المستغلة في خطوط الأنابيب الإماراتية والسعودية لتجاوز مضيق هرمز.

من يربح حرب المضائق.. إيران أم أميركا؟

إيران قد تنجح تكتيكيا في فرض نفوذ مؤقت على المضائق، والولايات المتحدة الأميركية تملك القدرة الاستراتيجية على كسر أي حصار طويل الأمد، لكن الحقيقة الأعمق: لا أحد يربح في صراع يُهدد شريان الطاقة العالمي.

إنَّ السيناريو الأقرب للواقعية الذي ستنتهي حرب المضائق عليه، ليس الحسم العسكري؛ بل الوصول إلى توازن قلق، تُدار فيه الأزمة عبر تفاهمات غير مُعلنة، تضمن استمرار تدفق الطاقة، عدم التصعيد العسكري المباشر، مع بقاء المضائق ومنها مضيق هرمز تحت رقابة دولية غير رسمية.

هل ستنهي الهدنة الحرب؟

في تطور مفاجئ، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وقف إطلاق النار على إيران لمدة أسبوعين شريطة فتح الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يشير إلى إمكانية توصل الطرفين لاتفاق نهائي ينهي الحرب المتواصلة منذ 6 أسابيع، لا سيما أن الاتفاق تم من دون الرجوع لإسرائيل.

وجاء إعلان ترمب، الذي نشره عبر منصته تروث سوشيال، قبل وقت قصير جدا من انتهاء المدة التي قال إنه “سيمحو الحضارة الإيرانية بأكملها بعدها” ما لم تقبل التوصل لاتفاق وتعيد فتح المضيق أمام الملاحة.

واعتبرت طهران القرار انتصارا تاريخيا لها، وقالت إنها قبلت بهذا الوقف المؤقت للقتال بناء على نصيحة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، ونظرا لما وصفته بتفوقها العسكري في الميدان.

ويتساءل المراقبون، هل ستنهي الهدنة المؤقتة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران؟ وهل تمثل نهاية فعلية للصراع أم مجرد تأجيل لانفجاره؟ وتُظهر التحليلات أن هذه الهدنة ليست حلاً جذرياً، بل خطوة تكتيكية فرضتها ضغوط سياسية وعسكرية واقتصادية متزايدة، خاصة على الإدارة الأمريكية، حيث سعت إلى تخفيف التوتر وتجنب تداعيات أوسع مثل اضطراب أسواق الطاقة وتصاعد الانتقادات الداخلية. ورغم ما حققته الهدنة من تهدئة مؤقتة وانخفاض نسبي في حدة التصعيد، فإنها لم تعالج الأسباب الأساسية للنزاع، مثل البرنامج النووي الإيراني، ودور إيران الإقليمي، وانعدام الثقة بين الطرفين. كما تشير بعض القراءات إلى أن الهدنة قد تكون جزءًا من استراتيجية تقوم على التهديد والتراجع لتحقيق مكاسب تفاوضية، لكنها تحمل مخاطر فقدان المصداقية أو الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب. وفي ظل استمرار هذه العوامل دون حل، تبقى الهدنة هشّة وقابلة للانهيار، ما يجعل احتمال عودة الصراع قائماً، ويؤكد أن الحل الحقيقي يتطلب تسوية سياسية شاملة تتجاوز الإجراءات المؤقتة.

 

المصادر:

https://2u.pw/ChF1S

https://2u.pw/ZxPOem

https://2u.pw/uEq0Ta

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات مغلقة.