بين الفراغ الأمني وهروب المعتقلين: هل يعود الظل الأسود “داعش” إلى الواجهة في سوريا؟
مقدمة

بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من عدة مدن وبلدات ضمن مناطق الجزيرة شمال شرقي البلاد، بدأ تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بالظهور بشكل واسع، خصوصاً في المناطق التي انسحبت منها “قسد” في كانون الأول الفائت، كمحافظتي دير الزور والرقة، حيث نشط التنظيم بشكل كبير وملحوظ.
وتعرضت مواقع عسكرية وحواجز تابعة لقوات الحكومة السورية المؤقتة لهجمات متفرقة في محافظتي الرقة ودير الزور، أسفرت عن مقتل عدد من عناصرها، ما أدى إلى فراغ أمني كبير في هاتين المحافظتين بالتحديد. وتأتي هذه الأحداث بعد تسجيل صوتي منسوب إلى المتحدث باسم تنظيم “داعش” أبو حذيفة الأنصاري نُشر في العشرين من شباط، يتضمن مؤشرات على محاولة التنظيم إعادة تنشيط خلاياه في المنطقة، وتوعد بمهاجمة الحكومة السورية المؤقتة، وإعادة السيطرة على مناطق في سوريا.
استهدافات “داعش” في الرقة ودير الزور
بعد تغير خريطة السيطرة في سوريا بعد كانون الثاني، ومع تقلص وجود قوات سوريا الديمقراطية ضمن خريطة السيطرة، ازدادت هجمات تنظيم “داعش” في المناطق التي كانت تتواجد فيها سابقاً، حيث وصلت إلى أكثر من عشرة هجمات خلال شهرين، تسببت بمقتل سبعة أشخاص، منهم عناصر بالقوات الحكومية، وأكثر من عشرة جرحى وفقا لإحصائية استندت إلى أخبار وسائل إعلام محلية وعالمية وبيانات كان يصدرها التنظيم عبر معرفاته الرسمية.
- في نهاية شباط، تم استهداف مقر عسكري وحاجز أمني تابعين للدفاع السورية من قبل مقاتلي التنظيم في بلدتي الباغوز والسوسة شرق دير الزور، وأسفر الهجوم عن مقتل وإصابة عدد من الأشخاص.
- في 25 شباط، أعلن التنظيم مسؤوليته عن هجوم أسفر عن مقتل وإصابة سبعة من عناصر القوات الحكومية في محافظة الرقة شمالي سوريا. وذكر التنظيم في بيان نشرته وكالة “أعماق” أن “مقاتلي الدولة الإسلامية شنوا هجوماً انغماسياً استهدف موقعاً لما يسمى الأمن الداخلي في بلدة السباهية عند المدخل الغربي لمدينة الرقة.

- أوضح البيان أن المقاتلين تمكنوا من الوصول إلى موقع “العدو” ومباغتة جنوده بإطلاق نار كثيف من مسافة قريبة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم، واستدعى استقدام تعزيزات لإنقاذ الموقف.
- أسفر الهجوم عن مقتل أربعة جنود وإصابة ثلاثة آخرين بجروح متفاوتة، كما أفاد التنظيم بأن أربعة جنود من “النظام” المشارك في التحالف الدولي قُتلوا في هجمات أخرى وقعت يومي 23 و21 شباط في الرقة ودير الزور.
- وأكد البيان أن هذه الهجمات جاءت استجابة لدعوة المتحدث الرسمي باسم التنظيم لجعل قتال “النظام” أولوية وحشد الطاقات لذلك.
- ذكرت مصادر أهلية في اللاذقية لتلفزيون روسيا اليوم في 25 شباط أن مسلحين يستقلون دراجة نارية ألقوا قنبلة على مخفر القرداحة، ليرد عناصر المخفر بإطلاق النار دون ورود معلومات عن إصابات.
من خلال هذه الاستهدافات، نلاحظ أن أغلب الهجمات كانت في المناطق التي خرجت عن سيطرة “قسد”، وظهر التنظيم بشكل واسع بعد سيطرة القوات الحكومية عليها، مع تركيز ظهوره في مناطق ظهوره الأول قبل أكثر من عشرة أعوام، في الرقة وريف دير الزور الشرقي والشمالي حصراً.
أسباب النشاط الميداني الملحوظ لتنظيم “داعش“
بعد وضوح التحركات الكبيرة للتنظيم وكثرة نشاطه في الرقة ودير الزور، بدأ القلق العالمي يظهر من جديد حول عودة نشاط “داعش”.
يرى سكان دير الزور والرقة أن سبب النشاط الملحوظ للتنظيم هو التخبط في المنطقة في ظل الصراعات التي حدثت في كانون الأول، كما أدى الفراغ الأمني الذي تركته “قسد” دوراً بارزاً في ذلك، وفقاً لآراء صحفيين ومحللين. بينما يرى آخرون ان “داعش” يسعى لتصفية حساباته مع “هيئة تحرير الشام” التي أدارت ظهرها للعمل الجهادي وانضمت الى التحالف الدولي، تحت عنوان مشاركة سوريا في مكافحة الإرهاب، حسب المحلل السياسي “إبراهيم العلي”.
هذا وقد أسند البعض من المحللين هجمات “داعش” الى ما أسموه “الخذلان العقائدي والتحلل من البيعات السابقة” التي كانت قد أبرمت بين رفاق الجهاد “النصرة وداعش”، أعطت دافعاً قوياً للتنظيم لتنفيذ عملياته ضد الجيش وقوى الأمن الداخلي، مستغلاً حالة الفراغ الناتجة عن انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من مساحات شاسعة، وغياب الدعم الأمريكي الذي كان منشغلاً بإخلاء قواعده في شمال شرق سوريا، وهروب مقاتلي التنظيم من سجون “قسد” للالتحاق بتنظيمه ومهاجمة القوات الحكومية.

اليوم، هناك تطورات أمنية بارزة على المشهد الميداني، حيث شن تنظيم داعش هجومين في يوم واحد على نقاط عسكرية بريف دير الزور، ما أدى إلى مقتل عنصر واحد عناصر وزارة الدفاع، فيما قتل أربعة عناصر آخرين بمحيط مدينة تل أبيض شمال الرقة. وتزامن ذلك مع أعنف هجوم تبناه التنظيم واستهدف حاجز السباهية غرب الرقة مرتين خلال يومين، مصحوباً باشتباكات عنيفة بين قوات وزارة الداخلية التابعة للحكومة المؤقتة ومقاتلي التنظيم في منطقة تشكل عقدة ربط مهمة بين ريف حلب الشرقي ومحافظة دير الزور، ما يجعل التصعيد الميداني قابلاً للتمدد على مساحات واسعة.
وأشار البعض من المحللين إلى ربط كثافة هجمات التنظيم بتوجه التحالف الدولي بقيادة واشنطن نحو إنهاء وجوده العسكري في شرق سوريا خلال أسابيع، ما قد يسمح بفرض موازين قوى جديدة في مناطق الجزيرة والبادية، ويخلق فراغاً أمنياً يسمح للتنظيم بترتيب عملياته العسكرية بعيداً عن ضغوط الاستهداف والرقابة اللحظية التي كان يفرضها الوجود العسكري الأمريكي وقوات سوريا الديمقراطية، بما يحمله من تقنية عالية مرتبطة بمراقبة تحركات العدو.
ويرى آخرون انه من السذاجة تجاهل تزامن عودة نشاط “داعش” مع إخلاء مخيم الهول الذي كان يحتوي على عناصر التنظيم وعائلاتهم.
مخاوف من هروب مقاتلي “داعش” من المخيمات والسجون

تحذر الدول الغربية من عودة نشاط التنظيم بعد سيطرة القوات الحكومية المؤقتة على مخيمات الاعتقال شمال شرق سوريا، ويثير هروب عشرات وربما مئات من الجهاديين ونقل آلافهم إلى العراق جدلاً ومخاوف كبيرة من موجة إرهاب جديدة.
وفي هذا السياق حذرت مذكرة داخلية للاتحاد الأوروبي بتاريخ 23 شباط من احتمال عودة نشاط التنظيم إذا لم تتخذ القوات الحكومية في دمشق و”قسد” جميع الإجراءات الأمنية الضرورية، حيث من الممكن أن يهرب المزيد من مقاتلي التنظيم من المخيمات، بعد هروب الآلاف منهم من مخيم الهول. وقد أرسلت الرئاسة القبرصية المذكرة لمجلس الاتحاد الأوروبي إلى الدول الأعضاء، مشيرة إلى أن وضع رعايا دول ثالثة فروا من مخيم الهول لا يزال غير واضح، وأن غالبيتهم هربوا.
“مخيم الهول” والفوضى العارمة
انسحبت قوات سوريا الديمقراطية في 20 كانون الثاني من المخيم الأكبر الذي كان يضم عائلات عناصر التنظيم، في ظل تصعيد عسكري بينها وبين القوات الحكومية السورية المؤقتة. وكانت “قسد” قد أدارت المخيم لسنوات، بعد أن لعبت دورًا محورياً في دحر التنظيم واعتقال الآلاف من عناصره. وفور انسحابها شهد المخيم هروباً جماعياً لعناصر التنظيم وعائلاتهم عبر المدنيين وعناصر تابعين للقوات الحكومية المؤقتة، حيث بلغ عدد الهاربين أكثر من 12 ألف شخص وفقاً لإحصاءات متقاربة. وقد أعلنت السلطات السورية في وقت لاحق إغلاق المخيم بعد إخلائه من آخر قاطنيه، ونقلهم إلى مخيم “آخترين” في محافظة حلب شمالي سوريا.
هذا وقد تسلمت الحكومة المؤقتة مخيم الهول من “قسد” حتى قبل الوصول الى اتفاق نص على عملية دمج متدرجة للقوات العسكرية والإدارية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة. ومن جانبه أقر المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا بحدوث حالات هروب جماعي نتيجة فتح المخيم بصورة عشوائية، وقال إن “قسد انسحبت دون أي إخطار مسبق للوزارة أو لشركائنا في التحالف الدولي”. في حين وصفت “قسد” تصريحات البابا بـ”غير المسؤولة”، مؤكدة أنها اضطرت للانسحاب بعد هجمات مباشرة وتحشيدات عسكرية لفصائل دمشق باتجاه المخيم، بالتزامن مع تحركات داخل المخيم من عائلات التنظيم لإثارة الفوضى، وأن عمليات إخراج وتهريب العائلات جرت بعد دخول فصائل دمشق إلى المخيم.
بينما روايات السكان المحليين تؤكد الفوضى، حيث ذكر الفلاح مرهف العليان (43عاماً) و فرحان عباس (86 عاماً) أن سيارات حملت العائلات بسرعة، وأن رجالاً يرتدون لباساً عسكرياً مموّهاً أشرفوا على النقل.
انتشار خلايا “داعش“
في 29 تموز الماضي، أصدر فريق الدعم التحليلي ورصد العقوبات التابع لمجلس الأمن الدولي تقريراً يوضح أن خلايا “داعش” تتركز بشكل أساسي في البادية وسط وشرق

سوريا، مع وجود محدود قرب دمشق وريف حلب وحمص والمناطق الجنوبية. ويستغل التنظيم الفوضى التي أعقبت سقوط نظام الأسد، واستولى على مخزونات من الأسلحة الثقيلة كانت بحوزة الحكومة السابقة، كما فر المئات من سجونه. وكانت آخر حالات الفرار في شهر آذار الذي تلى سقوط نظام بشار الأسد، عندما هرب 70 معتقلاً من سجن في حلب. ويركز التنظيم نشاطه على إثارة التوترات الطائفية، ويجنّد مقاتلين محليين وأجانب، وجنود سابقين في نظام الأسد. ومن جهتها تقدّر الأمم المتحدة عدد مسلحي التنظيم بين 1500 و3000 مسلح في سوريا والعراق. وبحسب وكالة “رويترز” أن التنظيم بدأ بالفعل في إعادة تنشيط مقاتليه عبر تحديد الأهداف، توزيع الأسلحة وكواتم الصوت والمتفجرات، وتكثيف جهود التجنيد والدعاية.
في الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، أعلن التنظيم مسؤوليته عن 38 هجوماً في سوريا وفق بيانات مجموعة SITE Intelligence Group، التي ترصد أنشطة التنظيم على الإنترنت. في الأشهر الأخيرة كثّف “داعش” عملياته، واتُهم بالمسؤولية عن الهجوم الانتحاري على كنيسة “مار إلياس” في دمشق، الذي راح ضحيته عشرات المصلين.
استراتيجية “داعش” في سوريا
بات تصور التنظيم الاستراتيجي حول الجغرافيا والوقت عاملاً حاسما لإمكانية ظهوره العلني في سوريا مستقبلاً. ينشط التنظيم بالرغم من تراجع هجماته خلال السنوات الأخيرة بنسبة 75٪ مقارنة بالسنوات السابقة، حيث كانت الهجمات محدودة تنفذ بواسطة فرد واحد أو عدد قليل من المقاتلين. وينفذ هجماته انطلاقاً من البادية الشامية، التي تنتشر فيها خلاياه، لا سيما على الحدود الإدارية بين محافظتي الرقة ودير الزور، مستهدفاً الحواجز والسكان. حالياً المنطقة مناسبة للتحرك للتنظيم بفضل طبيعتها المفتوحة، حيث استفاد التنظيم من معارك البادية والتحركات في صحراء الأنبار بالعراق. على المدى المتوسط، قد يخطط التنظيم للسيطرة على بلدات ومدن سورية، خصوصاً في أرياف الرقة ودير الزور والحسكة وإدلب وحماة وبادية تدمر والسويداء، بهدف زيادة عدد عناصره وموارده.
تجنيد المقاتلين في سوريا
استطاع التنظيم تكييف استراتيجيته والاندماج مع السكان المحليين، خصوصاً في دير الزور والرقة، مستغلاً الأفكار التي زرعها قبل 2020. وبهذه الطريقة يسعى لتجنيد المزيد من المقاتلين من الحاضنة المحلية والفارين من المخيمات في شمال وشرق سوريا، حيث هناك عشرات الآلاف من الأشخاص لهم صلات وتنظيمات عائلية مع التنظيم، بما في ذلك آلاف الأطفال.
حالة عدم الاستقرار في مناطق ظهور التنظيم
يتركز ظهور التنظيم بشكل رئيسي في الرقة ودير الزور، مع تأثير واضح على حياة السكان، وقيود على حركة المدنيين، وغياب الأمن والأمان، خصوصاً بعد حلول الظلام. تأثرت الحياة الاقتصادية في هذه المناطق نتيجة انعدام الأمن، وفقاً لشهود وسكان محليين.
آراء الخبراء والمحللين حول تمدد التنظيم
يرى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات أن الجماعات المتطرفة وتنظيم “داعش” تعمل على تصعيد الهجمات عالمياً، وليس في سوريا فحسب، وتوسيع نفوذها بطريقة قد تشكل تهديداً يتجاوز المناطق التي ينشط بها، وقد يصل إلى الدول الأوروبية والولايات المتحدة.
وقد أكد خبير أمني أن التحدي الحقيقي هو الاستثمار طويل المدى لمعالجة هذه المشكلة، وأنه إذا لم تتم معالجتها، فإن الخطر قد يتفاقم ليصبح تهديداً عالمياً مباشراً للولايات المتحدة وأوروبا.
الخلاصة
تشير المعطيات الميدانية إلى عودة ملحوظة لنشاط تنظيم “داعش” في مناطق الرقة ودير الزور شمال شرقي سوريا، مستفيداً من الفراغ الأمني الذي نتج عن انسحاب قوات سوريا الديمقراطية وتغير خريطة السيطرة في المنطقة. وقد تجلّى هذا النشاط في سلسلة هجمات استهدفت مواقع عسكرية وحواجز أمنية، ما أسفر عن قتلى وجرحى وأعاد إثارة المخاوف من قدرة التنظيم على إعادة تنظيم صفوفه.

ويعزو محللون هذا التصاعد إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها حالة الفوضى وعدم الاستقرار الأمني، وتسهيل عناصر الحكومة المؤقتة عمليات هروب عناصر التنظيم من السجون والمخيمات، ولا سيما مخيم الهول، إضافة إلى انسحاب قوات التحالف الدولي من شرق سوريا. كما يسعى التنظيم إلى استغلال هذه الظروف لإعادة تنشيط خلاياه وتوسيع عمليات التجنيد بين السكان المحليين والفارين من المخيمات.
إلى جانب ذلك، يشير بعض المراقبين إلى أن الخلفية الفكرية والأيديولوجية لعدد من مكونات الحكومة السورية المؤقتة، والتي ينحدر العديد من أعضائها من بيئات أو تجارب سابقة ضمن التيارات الجهادية أو الإسلامية المتشددة، تسهم في خلق بيئة أكثر قابلية لنمو التنظيم وتمدد أفكاره، سواء عبر التقاطعات الفكرية أو ضعف القدرة على بناء خطاب أيديولوجي مضاد يحدّ من انتشار هذه الجماعات.
في ضوء ذلك، يحذر خبراء أمنيون من أن استمرار حالة عدم الاستقرار وغياب المعالجة الأمنية والسياسية الشاملة قد يتيح لتنظيم “داعش” إعادة بناء قدراته تدريجياً، ما قد يهدد الاستقرار في المنطقة ويعيد طرح خطر تمدد التنظيم على المستويين الإقليمي والدولي.
المصادر:
https://sdf-press.com/archives/48033
09 آذار 2026
“يصدر هذا التقرير عن المكتب الإعلامي لاتحاد الإعلام الحر، ويستعرض أبرز العناوين والموضوعات التي غطّتها الصحافة المحلية والإقليمية والدولية خلال أسبوع وفق الرؤية الإعلامية، وذلك في إطار متابعة ورصد مستمر للمشهد الإعلامي بمختلف توجهاته.”
التعليقات مغلقة.