مؤتمر ميونخ للأمن: دلالات الحضور السياسي الكردي في مرآة الإعلام

أكدت النسخة الـ62 لمؤتمر ميونخ للأمن 2026 الحضور الكردي الفاعل بمشاركة وفود من إقليم كردستان وشمال وشرق سوريا، في خطوة كرّست الكرد كرقم صعب ولا يمكن تجاوزه في رسم المعادلات المستقبلية للمنطقة، ضمن المنتدى العالمي الأبرز لتعزيز 'السلام عبر الحوار'.

369

عُقدت الدورة الثانية والستون من مؤتمر ميونخ للأمن خلال الفترة من 13 إلى 15 شباط/فبراير 2026، في فندقي بايريشير هوف وروزوود ميونخ بمدينة ميونخ الألمانية، والذي يُعد من أبرز وأهم المنتديات العالمية المتخصصة في قضايا السياسة والأمن، حيث يجمع سنوياً رؤساء دول وحكومات ووزراء خارجية ودفاع، إضافة إلى شخصيات دبلوماسية وأمنية رفيعة المستوى.

ترأس أعمال المؤتمر لهذا العام، السفير فولفغانغ إيشينغر، بصفته رئيس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وناقش مئات من صناع القرار وقادة الرأي تحديات السياسة الأمنية الدولية.

وقد شكّل انعقاد مؤتمر ميونخ محطة سياسية بارزة في مقاربة المجتمع الدولي للملف السوري، لا سيما مع الحضور المتوازي لكل من الوفد الحكومي السوري ووفد قوات سوريا الديمقراطية، في مشهد غير مألوف يعكس تحولات عميقة في آليات التعاطي الدولي مع الأزمة السورية.

 

الحضور الكردي: تمثيل سياسي يتجاوز البعد العسكري

 

برزت مشاركة القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد

، كإشارة سياسية لافتة. فقد لم يعد التمثيل الكردي محصوراً بالإطار العسكري المرتبط بمحاربة تنظيم “داعش”، بل بات جزءاً من نقاشات سياسية ودستورية تتعلق بمستقبل سوريا.

وخلال المؤتمر، عقد الوفد الكردي سلسلة لقاءات رفيعة المستوى، شملت اجتماعاً مع وزير الخارجية الألماني، واجتماعاً ثلاثياً جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومظلوم عبدي.

كما التقى الوفد وفداً من الكونغرس الأميركي بقيادة السيناتور ليندسي غراهام، المعروف بدعمه للقضية الكردية وصاحب مشروع “إنقاذ الكرد”. وتركزت النقاشات حول دعم الاستقرار في سوريا، وضرورة تثبيت حقوق الكرد ضمن الدستور السوري المرتقب، وضمان عدم إقصائهم في أي تسوية سياسية قادمة.

 

تمثيل مزدوج: دلالات سياسية عميقة

أثار حضور وفدين سوريين – أحدهما حكومي والآخر يمثل قوات سوريا الديمقراطية – نقاشاً واسعاً حول طبيعة التمثيل السوري في المحافل الدولية. فقد جرى التعامل رسمياً مع الوفدين عبر لقاءات رفيعة المستوى، ما عكس مقاربة دولية جديدة تتعامل مع الواقع السوري باعتباره تعددياً ضمن إطار الدولة.

 

ويرى محللون أن هذا النموذج يعكس ما يمكن وصفه بـ”الإدارة المزدوجة”، حيث تحافظ الدول الكبرى على اعترافها بالدولة السورية، لكنها في الوقت ذاته تتعامل مع الفاعلين المحليين بوصفهم شركاء في صياغة المستقبل السياسي.

 

هذا التمثيل لا يعني إعادة تعريف الشرعية بقدر ما يشير إلى إعادة توزيعها عملياً ضمن مسار تفاوضي معقد، قد يقود إما إلى إعادة توحيد تدريجية لمراكز القرار، أو إلى تثبيت صيغة لامركزية أعمق ضمن مؤسسات الدولة.

 

اجتماع ثلاثي سوري–أميركي–كردي

شهد المؤتمر اجتماعاً ثلاثياً جمع الشيباني وروبيو والوفد الكردي، حيث جرى استعراض تنفيذ اتفاق الاندماج المعلن في كانون الثاني/يناير، والذي يقضي بدمج تدريجي للمؤسسات العسكرية والإدارية التابعة للإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

 

وصف عبدي الاجتماع بأنه “إيجابي”، مشيراً إلى أنه تناول عملية الاندماج وخصوصية الشعب الكردي. وفي بيان لوزارة الخارجية الأميركية، أكد روبيو دعم بلاده “لسوريا مستقرة تعيش بسلام مع جيرانها وتحمي حقوق جميع مكوناتها العرقية والدينية”.

وفي اليوم الثالث للمؤتمر، شدد روبيو، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيتسو، على ضرورة تنفيذ الاتفاق بين السلطات السورية والكرد، مؤكداً أن ذلك “لن يكون سهلاً”. كما أشار إلى أن الرئيس دونالد ترامب طالب بوقف الهجمات على شمال وشرق سوريا لتسهيل عمليات نقل سجناء تنظيم داعش وإعادة دمج القوات الكردية ضمن القوات الحكومية، داعياً إلى التوصل لاتفاقات مع الدروز والبدو والعلويين وكافة مكونات المجتمع السوري.

دعم إقليمي ودولي: شبكة علاقات متوازنة

شملت اللقاءات أيضاً وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في ظل الدور السعودي المتنامي في الملف السوري عربياً ودولياً. وتم التأكيد على دعم الاستقرار في سوريا، والحفاظ على وحدة أراضيها، مع ضمان حقوق مختلف المكونات.

كما التقى عبدي بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أبدى – بحسب التصريحات التي أعقبت اللقاء – استعداداً لدعم الحقوق المشروعة للكرد في سوريا، وتعزيز جهود وقف إطلاق النار، والضغط من أجل حماية حقوق جميع المكونات السورية، بما في ذلك الكرد والعلويون والدروز والمسيحيون، دون إقصاء أو تهميش.

أما اللقاء الذي حظي بأهمية خاصة في الأوساط الكردية، فكان مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، الذي أكد دعم الإقليم لحماية الكرد في سوريا، ومساندة عملية الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، وتثبيت الحقوق الكردية في الدستور الجديد.

وشكر عبدي في لقائه مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين السيد برهم صالح على هامش مؤتمر ميونخ في ألمانيا، الجهود الكبيرة للمفوضية في دعم قضايا النازحين جراء الاشتباكات الأخيرة، وتعزيز التعاون الإنساني والاستقرار في المنطقة.

وشدد عبدي في اجتماعه مع وزير خارجية العراق السيد فؤاد حسين جملة من الملفات الأمنية والسياسية، عملية نقل سجناء تنظيم داعش الى العراق، تبادل وجهات النظر بشأن طبيعة ملفات المعتقلين مع التأكيد على أهمية حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة ومنع أي تصعيد والحفاظ على الهدوء وضبط النفسِ، حسب بيان لخارجية العراق بخصوص اللقاء.

وركز اجتماع عبدي والهام أحمد مع وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول على هامش القمة، على مستجدات الوضع السوري ومستقبل العملية السياسية واهمية حماية مكتسبات مناطق شمال وشرق سوريا الى جانب مناقشة ملفات مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار الاقليمي.

تباين في التصريحات: الحكم الذاتي واللامركزية

 

رغم الأجواء الإيجابية العامة، برز تباين في بعض التصريحات:

  • صرّح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لقناة “روداو” أن الكرد “لم يطالبوا بالحكم الذاتي”، مؤكداً تمسك الحكومة بسوريا موحدة تضمن حقوق جميع مواطنيها.
  • في المقابل، قال مظلوم عبدي في 15 شباط/فبراير إن “المطلب الأساسي للكرد في شمال وشرق سوريا هو حكم محلي لامركزي تحت أي مسمى”، موضحاً أن الخلاف مع الحكومة يتعلق بالمصطلحات لا بالمضمون، ومشدداً على أحقية الكرد في إدارة شؤون مناطقهم ذاتياً.

 

تسريع مسار الدمج

في 17 شباط/يناير، وخلال فعالية اجتماعية نظمتها “هيئة الأعيان ومجلس أعيان الحسكة” في مدينة الحسكة، كشف عبدي عن اجتماع جمعه بوزير

الخارجية السوري ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، حيث تم الاتفاق على تسريع عملية الدمج وتشكيل لجنتين مشتركتين على مستوى القيادات.

كما أشار إلى التوافق حول إعادة المهجرين إلى عفرين وسري كانيه/رأس العين ومناطق أخرى، وآليات دمج القوات

والمؤسسات المدنية.

 

مؤشرات إيجابية على الأرض

يرى مراقبون أن الملف السوري خرج من مؤتمر ميونخ بحالة إيجابية، في ضوء الالتزام الدولي باتفاق 29 كانون الثاني/يناير، وبدء تطبيقه عملياً رغم بعض التباطؤ. ومن أبرز المؤشرات:

  • تثبيت وقف إطلاق النار بين الجانبين.
  • تعيين المهندس نور الدين عيسى محافظاً للحسكة بترشيح من قوات سوريا الديمقراطية.
  • زيارات لوزراء إلى الحسكة.
  • بدء دمج القطاع الصحي ضمن هيكلية وزارة الصحة.
  • دخول عناصر أمن حكومي إلى مربعات أمنية في الحسكة وقامشلو ضمن لجان الدمج الأمني والعسكري.

 

 

حضور لملفات المكونات الأخرى

 

لم يغب ملف المكونات السورية الأخرى — الدروز والعلويين — عن النقاشات، وإن كان حضوره محدوداً، حيث أشار ماركو روبيو إلى ضرورة التوصل إلى اتفاقات تشمل جميع مكونات المجتمع السوري المتنوع.

 

 

ردود الفعل الشعبية والإعلامية

 

أثار ظهور الشيباني وعبدي وإلهام أحمد في صورة واحدة خلال اجتماع مع روبيو تفاعلاً واسعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي.

تباينت الآراء بين من رأى في المشاركة خطوة نحو اندماج سياسي حقيقي ضمن الدولة السورية، ومن اعتبرها مؤشراً على ضغوط خارجية وتأثيرات دولية في مسار القرار السياسي السوري.

كما طُرحت تساؤلات حول الصفة التي شارك بها ممثلو الإدارة الذاتية، في ظل عدم انضمامهم رسمياً إلى الوفد الحكومي، ما عكس حساسية المرحلة الانتقالية وطبيعة التفاهمات الجارية.

 

قراءات تحليلية: اعتراف سياسي متصاعد

يرى مدير المركز الكردي للدراسات الاستراتيجية نواف خليل أن الحضور الكردي يمثل انتصاراً دبلوماسياً يعكس ضغوطاً أميركية وأوروبية لإشراك ممثلين عن الكرد في المسار السياسي.

من جهته، اعتبر الباحث السياسي المصري هاني الجمل أن المشاركة تعكس تقديراً دولياً لدور الكرد في مكافحة الإرهاب، وتحمل رسالة تؤكد التزامهم بوحدة الدولة السورية ورفضهم لأي توجه انفصالي.

أما المحلل السياسي الدكتور محمود عباس، فرأى أن دعوة مظلوم عبدي وإلهام أحمد تمثل تكريساً لمكانة المكون الكردي دولياً، وأن اللقاء مع وزير الخارجية الأميركي يعكس تحولاً في المقاربة الأميركية من الإطار العسكري إلى السياسي، خاصة مع مشاركة إلهام أحمد بصفتها ممثلة للجانب السياسي في الإدارة الذاتية.

وأشار عباس إلى أن الكونغرس الأميركي لعب دوراً في هذا التحول، من خلال ممارسة ضغوط لإعادة النظر في سياسة التهميش السابقة تجاه القوى الكردية.

دلالات استراتيجية للمشهد السوري

يحمل حضور مظلوم عبدي في ميونخ بصفته القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية وزعيماً كردياً دلالات سياسية مهمة، تعكس الاعتراف بدور قسد في مكافحة الإرهاب وترسيخ الأمن، كما تؤكد أن القضية الكردية أصبحت حاضرة بقوة في النقاشات الدولية حول مستقبل سوريا.

ويشير المشهد العام إلى أن المجتمع الدولي بات يتعامل مع سوريا باعتبارها ساحة توازنات سياسية وأمنية، تتطلب صيغة شراكة وطنية تضمن حقوق جميع المكونات ضمن دولة موحدة، ديمقراطية، تعددية، ولا مركزية.

خلاصة

مثّل مؤتمر ميونخ للأمن 2026 محطة مفصلية في مسار التفاعل الدولي مع الملف السوري. فقد أتاح منصة لعرض الرؤى المتباينة ضمن إطار حوار سياسي، وأظهر تحولات في طبيعة التمثيل السوري، مع بروز الحضور الكردي كلاعب سياسي معترف به دولياً.

معرض للصور

 

الهوامش والمراجع

تقرير نورث بريس

https://npasyria.com/232540/

بيان لقوات سوريا الديمقراطية على منصة إكس:

https://n9.cl/t8wxot

بيان وزارة الخارجية السعودية:

https://x.com/KSAMOFA/status/2022704303157195047

بيان وزارة الخارجية السورية:

https://x.com/syrianmofaex

تقرير قناة روداو:

https://www.rudawarabia.net/arabic/kurdistan/150220263

تقرير North Press:

https://npasyria.com/232632/

وكالة فرات للأنباء ـ ANF

https://n9.cl/nvnox

بالإضافة إلى ما ورد من تعليقات عبر الصفحات الرسمية في منصات التواصل الاجتماعي.

تنويه:

“يصدر هذا التقرير الأسبوعي عن المكتب الإعلامي لاتحاد الإعلام الحر، ويستعرض أبرز العناوين والموضوعات التي غطّتها الصحافة المحلية والإقليمية والدولية خلال الأسبوع وفق الرؤية الإعلامية، وذلك في إطار متابعة ورصد مستمر للمشهد الإعلامي بمختلف توجهاته.”

اتحاد الإعلام الحر

التعليقات مغلقة.