في الأزمنة التي يضعف فيها صوت العقل، يرتفع صدى الكراهية كريحٍ عاتية، لا تُرى ولكن آثارها واضحة في تصدّع العلاقات الإنسانية وتفكك النسيج الاجتماعي.
خطاب الكراهية ليس مجرد كلمات تُقال في لحظة غضب أو تحريض عابر، بل هو بذرة سامة تُزرع في الوعي الجمعي، وما تلبث أن تُثمر عنفاً، إقصاءً، وانقساماً طويل الأمد.
خطاب الكراهية لا يولد فجأة، بل ينمو تدريجياً في بيئة تسمح له بالانتشار، يبدأ أحياناً بتوصيف جارح، أو تعميم ظالم، أو نكتة ساخرة، لكنه سرعان ما يتحول إلى قناعة راسخة تُبرّر الإقصاء والعنف، التاريخ الإنساني يقدّم شواهد كثيرة على أن الحروب الكبرى والمجازر لم تبدأ بالسلاح، بل بدأت بخطاب يصنّف الناس إلى نحن وهم، ويجرّد الآخر من إنسانيته.
عندما يُصوّر المختلف على أنه خطر، أو عبء، أو عدو بالفطرة، يصبح الاعتداء عليه أمرًا مقبولًا في نظر البعض. وهنا تكمن خطورة خطاب الكراهية؛ فهو لا يكتفي بتشويه الوعي، بل يخلق بيئة نفسية واجتماعية مهيّأة للعنف.
الإعلام هو المرآة التي يرى المجتمع نفسه من خلالها، لكنه في الوقت ذاته أداة قادرة على إعادة تشكيل هذه الصورة، فكما يستطيع الإعلام أن يهدّئ النفوس ويقود نحو الحوار، يمكنه أيضًا أن يؤجّج المشاعر ويغذّي الانقسام.
الإعلام غير المسؤول، حين يلهث خلف الإثارة ونسب المشاهدة، قد يسهم دون وعي في نشر خطاب الكراهية عبر العناوين التحريضية، أو اختيار ضيوف يتقنون الصراخ بدل النقاش، أو تقديم الأخبار خارج سياقها، في هذه الحالة، يتحول الإعلام من ناقل للحقيقة إلى شريك في صناعة الانقسام.
في المقابل، الإعلام المهني الواعي يدرك أن كل كلمة تُبثّ لها أثر، وأن نقل الحدث لا يعني تبنّي لغة الكراهية المرتبطة به، فاختيار المفردات، وطريقة السرد، وتوازن الآراء، كلها أدوات قادرة على تفكيك خطاب الكراهية بدل إعادة إنتاجه.
يمكن للإعلام أن يلعب دوراً محورياً في نبذ خطاب الكراهية عبر تسليط الضوء على القيم الإنسانية المشتركة، وإبراز قصص التعايش، وفتح مساحات للحوار العقلاني. حين يُظهر الإعلام معاناة جميع الأطراف دون تمييز، فإنه يعيد الاعتبار للإنسان كقيمة عليا تتجاوز الانتماءات الضيقة.
كما أن كشف زيف الأخبار المضللة، التي غالباً ما تُستخدم لتأجيج الكراهية، يُعدّ من أهم أدوار الإعلام اليوم. فالكراهية تتغذّى على الجهل والخوف، والإعلام الواعي يواجهها بالمعرفة والتوضيح.
لا يمكن تحميل الإعلام وحده مسؤولية انتشار خطاب الكراهية، فالمجتمع هو البيئة التي تستقبل هذا الخطاب وتتفاعل معه، إذا كان المجتمع في حالة إنهاك اجتماعي، مثقلاً بالخوف والحرمان، يصبح أكثر قابلية لتصديق الروايات الإقصائية، أما المجتمع الواعي، فيمتلك مناعة فكرية تجعله قادراً على التمييز بين النقد المشروع والتحريض.
كما أن دور الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الثقافية، لا يقل أهمية عن دور الإعلام، فالتربية على احترام الاختلاف، وتعليم التفكير النقدي، وتعزيز قيم الحوار منذ الصغر، تشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة الكراهية.
نبذ خطاب الكراهية لا يعني فقط رفضه، بل تفكيك جذوره، وهذا يتطلب الاعتراف بالمشكلات الحقيقية التي يعاني منها المجتمع، دون تحويلها إلى صراع بين الهويات، فالفقر، والظلم، والتهميش، حين لا تُعالج بطرق عادلة، تتحول إلى وقود يُستثمر في خطاب الكراهية.
الإعلام والمجتمع، حين يتعاونان، قادران على تحويل الألم إلى قضية عامة تُناقش بعقلانية، بدل أن يُستغل لإشعال العداوات
في النهاية، تبقى الكلمة هي البداية دائماً. إما أن تكون بذرة سلام، أو شرارة فتنة. الإعلام والمجتمع ليسا كيانين منفصلين، بل وجهان لوعي واحد ، فإذا اختار الإعلام لغة مسؤولة، واختار المجتمع التفكير قبل الانجرار، يمكن عندها لخطاب الكراهية أن يفقد سطوته.
فحين نختار أن نرى الإنسان قبل الانتماء، نكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو مستقبل لا تحكمه الكراهية، بل تصونه الكرامة.
التعليقات مغلقة.