هناك نساء كثيرات يعشن الألم في صمت، يخشين نظرة المجتمع أو كلمة لوم قد تكون جارحة أكثر من العنف نفسه، وفي مقابل هذا الصمت، يظهر الإعلام كقوة قادرة على كشف الحقيقة، وأداة تمنح النساء صوتاً يكسر الخوف ويواجه الظلم.
فالعنف ضد المرأة ليس حدثاً عابراً أو خلافًا عائليًا، بل هو ظاهرة تهدد قيم المجتمع وتترك أثراً عميقاً على المستقبل.
حين ينقل الإعلام قصة امرأة تعرّضت للعنف، تتحول تلك الحكاية من ذكرى موجعة إلى قضية رأي عام تضغط من أجل التغيير، وهذا ما شهدناه في قضية الشابة جينا أميني، التي تحولت بفضل الإعلام إلى رمز عالمي للمطالبة بحق النساء في الحياة والكرامة.
إن الإعلام هنا لا يكتفي بوصف الألم، بل يضع العالم أمام مسؤوليته وتغيير الواقع يبدأ من تغيير الصورة، سنوات طويلة قدّمت بعض الأعمال الإعلامية صورة نمطية للمرأة على أنها ضعيفة أو تابعة، ما خلق مبررات خفية لتقبّل العنف ضدها، أما اليوم، فهناك توجه متزايد لإبراز المرأة كقوة فاعلة قائدة، عاملة، مقاتلة من أجل حقوقها، هذه الصورة الجديدة ليست تجميلًا للواقع، بل هي استعادة لوضع طبيعي حاول البعض طمس.
فالخوف سلاح العنف، والصمت أكبر ما يحمي المعتدين وعندما يفتح الإعلام أبوابه للنساء كي يروين تجاربهنّ بجرأة، فإنه يمنحهن أول خطوة فحينما تتكلم المرأة يتغيّر كل شيء.
لكن المسؤولية الكبرى تقع على كيفية صياغة الأخبار وتناول القضايا فبعض المصطلحات قد تبرّر العنف من حيث لا ندري، مثل وصف جريمة قتل امرأة بـجريمة شرف، لا شرف في القتل، ولا مبرر للعنف، الإعلام الواعي يسمّي الجريمة باسمها الحقيقي، ويحمي الضحية من ظلم ثان قد يأتي عبر الكلمات.
فالعنف لا يقتصر على الجسد، هناك عنف نفسي يسرق الثقة، واقتصادي يحرم المرأة من حقوقها، ورقمي يلاحقها في كل جهاز، وسياسي يبعدها عن مراكز القرار، وهنا يبرز الإعلام كجهة داعمة للتوعية والتحذير.
لقد أسهمت تقارير وبرامج عديدة في زيادة الوعي بقوانين الحماية، خاصة في مناطق شمال وشرق سوريا، حيث بدأت النساء يطرحن قضاياهن علنًا ويلجأن لدور ومؤسسات مختصة بالحماية والدعم.
حتى الدراما يمكن أن تكون رسالة تغيير، فحين يرى المشاهد شخصية تتعرض للعنف وكيف تتصدى له وتستعيد حياتها، تتخلق داخله مشاعر تعاطف ووعي يُترجمان لاحقًا إلى مواقف واقعية.
يزداد تأثير الإعلام حين يُتيح للمرأة نفسها أن تكون صانعة القصة، لا مجرد موضوع لها ، فالناجيات من العنف حين يتحدثن أمام الكاميرا أو عبر المقالات، يمنحن غيرهن الأمل والجرأة للمطالبة بحقوقهن، كثير من الإعلاميات الكرديات على سبيل المثال لعبن دورًا مهمًا في نقل معاناة النساء خلال الحرب، وأثبتن أن صوت المرأة ليس هامشًا، بل هو أساس الحقيقة.
في النهاية، يمكن القول إن الإعلام ليس محايدا حين يتعلق الأمر بكرامة الإنسان، فإما أن يكون منحازا للعدالة، أو شريكا في الصمت والإعلام الذي يقف في صف المرأة يحمي المجتمع كله، يحمي أمهاته وبناته، ويحمي طفلا قادما سيولد في بيت آمن لا يعرف الخوف.
كل تقرير صادق، كل قصة تُروى دون خوف، كل كلمة تُكتب دفاعا عن المرأة، هي خطوة نحو مستقبل أفضل، تُبنى فيه الحياة على الاحترام لا على العنف.
وحين يتحول الإعلام من عين تراقب الحقيقة إلى صوت يطالب بالعدالة، عندها فقط يصبح قادرا على إنقاذ حياة، وتغيير مجتمع، وصنع غدٍ لا تخاف فيه المرأة من أن تكون نفسها.
التعليقات مغلقة.